إيطاليا وتركيا تستضيفان بطولة أوروبا 2032.
هذا السطر وحده هو ما حرّك ملفًا ظل عالقًا في ميلانو سبع سنوات كاملة. فمشروع استبدال ملعب سان سيرو طُرح لأول مرة عام 2019، وتعثّر بين معارضة سكانية واعتراضات سياسية ودراسات متعاقبة، حتى ظهر موعد نهائي لا يقبل التأجيل، فتسارعت الإجراءات فجأة.
هذه هي القاعدة التي تحكم موجة مشاريع الملاعب الحالية في أوروبا: المواعيد النهائية تنجز ما تعجز عنه الطموحات. وفي ما يلي أبرز المشاريع الجارية وما يحركها فعليًا.
سان سيرو: هدم أيقونة وبناء بديل بجوارها
أتم ناديا ميلان وإنتر عملية الاستحواذ على ملعب سان سيرو والأراضي المحيطة به من سلطات المدينة، تمهيدًا لبناء ملعب جديد وهدم القائم.
التفاصيل المعلنة:
السعة الجديدة: 71,500 مقعد، أي أقل من سعة سان سيرو الحالية البالغة نحو 76 ألفًا
المعماريون: مكتبا فوستر آند بارتنرز ومانيكا
المساحة الإجمالية للمشروع: نحو 281 ألف متر مربع تشمل تطويرًا عمرانيًا وتجاريًا وسكنيًا
الهدف الزمني: الجاهزية قبل يورو 2032
وقد بدأت في يوليو 2026 أولى أعمال الهدم، لكنها لم تمس المدرجات بعد، إذ اقتصرت على إعادة تنظيم منطقة المداخل مع مرافق مؤقتة و82 بوابة دخول ومحيط أمني جديد.
العقبات القائمة: المحكمة الإدارية في إقليم لومبارديا نظرت في طعون من مجموعات سكانية وجمعيات مدنية تعترض على عملية البيع، كما فتحت النيابة في ميلانو تحقيقًا في شبهات تتعلق بإجراءات العرض. ورغم ذلك، ظل بدء الإنشاء مستهدفًا في 2027.
وقد قرر الناديان الإبقاء على جزء من المدرج الثاني للملعب القديم بوصفه عنصرًا تراثيًا، في محاولة لتهدئة معارضة جماهيرية رفضت الهدم الكامل. وسيواصل سان سيرو استضافة المباريات حتى جاهزية البديل.
مانشستر يونايتد: أكبر ملعب في بريطانيا
أعلن نادي مانشستر يونايتد خطة لبناء ملعب بسعة تقارب 100 ألف مقعد، بتكلفة تقديرية نحو ملياري جنيه إسترليني، على بعد نحو 350 مترًا شمال غرب أولد ترافورد.
ما استقر منه حتى الآن:
تعيين مكتب فوستر آند بارتنرز رسميًا معماريًا للمشروع بعد انتهاء إجراءات الاختيار
تأمين الأرض عبر صفقة مع مالك عقاري صناعي في يونيو 2026، وهو ما أزال أحد أكبر مخاطر المشروع
استهداف الانتقال بحلول موسم 2030-2031، بمدة إنشاء تقارب خمس سنوات
تصميم يتضمن سقفًا على شكل مظلة ضخمة مصممة لتجميع الطاقة ومياه الأمطار، وتغطي ساحة عامة
والمشروع جزء من خطة تجديد عمراني أوسع للمنطقة، تشمل وحدات سكنية ومساحات عمل.
لماذا يختار نادٍ الهدم بدل التجديد؟
حالة مانشستر يونايتد تقدم الإجابة بالأرقام. فقد خلصت دراسات النادي إلى أن تجديد أولد ترافورد سيكلف بين مليار و1.2 مليار جنيه، وسيقلّص السعة أثناء تنفيذ الأعمال. أما البناء الجديد فيكلف نحو ملياري جنيه لكنه يمنح سعة أكبر بنحو 26 ألف مقعد ومرافق حديثة بالكامل.
بعبارة أخرى: الفارق في التكلفة نحو 70%، والفارق في النتيجة أكبر من ذلك بكثير. ويضاف إلى ذلك عامل حاسم هو أن البناء بجوار الملعب القائم يسمح باستمرار اللعب طوال فترة الإنشاء، بلا خسائر في إيرادات أيام المباريات.
وهذه المقارنة تحديدًا هي ما يدفع أندية كثيرة اليوم إلى الخيار نفسه.
كامب نو: أضخم عملية تجديد جارية
ملعب برشلونة يمثل النموذج المعاكس: إعادة بناء الملعب في موقعه بينما يُلعب فيه.
الملعب يعمل حاليًا بسعة 62,652 بعد اعتماد مرحلة من مراحل التجديد في مارس 2026، متجهًا إلى سعة نهائية تقارب 105 آلاف. وقد تأجل فتح الطبقة الثالثة إلى مطلع 2027 على أقرب تقدير، فيما يبدأ تركيب السقف في يونيو 2027 ويستغرق أربعة إلى خمسة أشهر.
الدرس المستفاد من هذه التجربة أن إعادة البناء مع استمرار التشغيل تحفظ الإيرادات لكنها تضاعف التعقيد، لأن كل جزء يُفتح يحتاج ترخيص إشغال مستقلًا من السلطات المحلية.
نيوكاسل: القرار الذي لم يُتخذ بعد
على الطرف الآخر من الطيف يقف نيوكاسل يونايتد، الذي يدرس منذ سنوات خيارين: توسعة سانت جيمس بارك إلى ما بين 60 و70 ألفًا، أو بناء ملعب جديد بسعة تقارب 70 ألفًا في موقع مجاور.
ولم يُحسم القرار حتى الآن، وأكد الرئيس التنفيذي للنادي أن الإدارة ليست جاهزة لاتخاذه دون تحديد جدول زمني. والعوائق معروفة: موقع محاصر بمبانٍ محمية، وتكلفة تقارب المليار جنيه، ومعارضة شعبية لأي بناء في المتنزه المجاور، إضافة إلى استضافة الملعب لمباريات يورو 2028 وهو ما يستبعد أي أعمال كبرى قبل البطولة.
العنصر الذي يعطّل كل شيء: الجيران
أكثر ما يوحّد هذه المشاريع ليس الهندسة ولا التمويل، بل الاعتراض المحلي.
في ميلانو، طعون قضائية من جمعيات سكانية ومدنية. وفي نيوكاسل، عريضة وقّعها أكثر من 28 ألف شخص ضد البناء في أقدم متنزه عام بالمدينة. وفي مدريد، دعاوى متواصلة من سكان محيط البرنابيو بشأن الضوضاء الناتجة عن الفعاليات.
والسبب في تصاعد هذه الاعتراضات أن الملاعب الحديثة لم تعد تُستخدم ثلاثين يومًا في السنة، بل صارت مصممة للعمل شبه اليومي. وهذا يغيّر طبيعة أثرها على الحي المحيط تغييرًا جذريًا، من إزعاج دوري محدود إلى نشاط تجاري دائم.
النمط المشترك: الملعب كمشروع عقاري
لافت أن أيًا من هذه المشاريع لا يُعرض بوصفه ملعبًا فحسب.
مشروع ميلانو يشمل 281 ألف متر مربع من التطوير العمراني. ومشروع مانشستر يونايتد مطروح ضمن خطة تجديد للمنطقة بوحدات سكنية ومساحات عمل. ومشروع برشلونة جزء من مجمع متكامل يضم مرافق النادي الأخرى.
السبب اقتصادي بحت: الملعب وحده أصل باهظ التكلفة ومحدود الإيراد نسبيًا، أما الأرض المحيطة به فتكتسب قيمة كبيرة بمجرد وجوده. ولذلك صار نموذج التمويل السائد هو تحقيق عائد من التطوير العقاري لتغطية جزء من كلفة الملعب نفسه.
وهذا يفسر أيضًا لماذا تستغرق هذه المشاريع سنوات في مرحلة الموافقات: فهي ليست تراخيص بناء ملعب، بل خطط تطوير حضري كاملة تمر بمسارات تنظيمية أطول وأكثر تعقيدًا.
ثلاثة نماذج للتطوير: أيها الأنسب؟
كل مشروع في أوروبا اليوم يقع في واحد من ثلاثة مسارات، ولكل منها منطق مختلف:
إعادة البناء في الموقع نفسه. يحافظ على الموقع والهوية، لكنه الأبطأ والأكثر تعقيدًا، ويفرض تشغيلًا جزئيًا بسعة منخفضة لسنوات. مناسب حين يكون الموقع نفسه أحد أهم أصول النادي.
البناء المجاور. يسمح باستمرار اللعب بسعة كاملة طوال فترة الإنشاء، ويتيح تصميمًا مثاليًا دون قيود الهيكل القديم. لكنه يتطلب أرضًا مجاورة متاحة، وهو شرط لا يتوفر لكثير من الأندية.
التوسعة الجزئية. الأرخص والأسرع، لكن سقف مكاسبه منخفض، وغالبًا لا يحل المشكلة الجذرية حين يكون الموقع محاصرًا.
والاتجاه السائد حاليًا هو المسار الثاني حيثما أمكن، لأنه يوازن بين الحفاظ على الإيرادات وجودة النتيجة النهائية.
من يدفع؟
مصادر التمويل تختلف اختلافًا جوهريًا، وهي تفسر تفاوت سرعة المشاريع:
تمويل الأعضاء. في نادٍ يملكه أعضاؤه، يمر إقرار التمويل عبر تصويت، وهو ما يمنح المشروع شرعية واسعة لكنه يبطئ القرار ويخضع كل تجاوز في الميزانية للمساءلة.
تمويل الملاك. حين يقف خلف المشروع مالك أو صندوق استثماري، تكون القدرة على الحسم أعلى، لكن التزام الملاك بالتمويل الكامل ليس مضمونًا، وقد يُهيكل جزء من الكلفة كقرض على النادي نفسه.
التمويل عبر التطوير العقاري. وهو النموذج الصاعد، إذ تُحقَّق عوائد من الأراضي والمرافق المحيطة لتغطية جزء من كلفة الملعب.
وغالبًا ما تجتمع هذه المصادر في مشروع واحد، وهو ما يجعل هيكلة التمويل نفسها سببًا من أسباب طول فترة الإعداد.
ما يستحق المتابعة
ثلاثة مؤشرات تكشف حقيقة تقدم أي مشروع، بعيدًا عن التصريحات:
تأمين الأرض. أي مشروع لم يحسم ملكية أرضه بعد لا يزال في مرحلة الفكرة مهما بلغت فخامة التصاميم المنشورة.
الموافقات التنظيمية. صدور الاتفاقيات بين الجهات المحلية والإقليمية أهم من إعلانات الأندية.
الموعد النهائي المرتبط ببطولة. المشروع الذي يملك موعدًا ثابتًا يتحرك، والذي لا يملكه يبقى في الدراسة سنوات.
وبقياس هذه المؤشرات الثلاثة، يبدو مشروع مانشستر يونايتد الأكثر تقدمًا من حيث الأرض والمعماري، ومشروع ميلانو الأكثر ارتباطًا بموعد ملزم، ومشروع نيوكاسل الأبعد عن الحسم رغم أنه الأقدم طرحًا.
0 تعليقات